الدكتور خوندكار عبد الله جهانكير
أستاذ، قسم الحديث، الجامعة الإسلامية، كوشتيا
رئيس سابق، مؤسسة السُنّة
إن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان في حياته الدنيا نعمة الحرية. ومن أهم الأيام المرتبطة بحريتنا: 26 مارس (يوم الاستقلال والعيد الوطني) و 16 ديسمبر (يوم النصر). سنتحدث اليوم عن واجباتنا تجاه الحرية والنصر في ضوء القرآن والحديث.
خلق الله تعالى الناس جميعاً متساوين. ليس لأي أحد الحق في حرمان أي مجموعة بشرية من حقوقها الأساسية أو استغلالها بسبب الدين، اللون، المنطقة، أو أي سبب آخر. أعلن القرآن الكريم أن الدفاع عن النفس من الظلم والاستغلال، والسعي لاسترداد حقوق الفرد، هو واجب وحق للمؤمن.
يصف الله المؤمنين بقوله:
"وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ" (سورة الشورى: 39)
كلمة "انتصار" هنا تعني نصر النفس، مقاومة الظلم، والغلبة على الظالم.
في السنة النبوية، من قُتل دون ماله، أهله، دمه، أو دينه فهو شهيد. قال النبي ﷺ:
"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ أَوْ دُونَ دَمِهِ أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (رواه الترمذي وأبو داود).
وقال أيضاً: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (رواه النسائي).
وقال: "نِعْمَ الْمِيتَةُ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ دُونَ حَقِّهِ" (رواه أحمد).
لقد أنعم الله علينا بنعمة الحرية. تاريخ هذه الحرية طويل. هذه الأرض (بنغلاديش) كانت موطناً لشعب قوي غير آري (درافيدي) يُعتقد أنهم من نسل "أبو فير" ابن سام عليه السلام. أطلق عليهم الإغريق واللاتينيون القدماء اسم "Gangaridae". كانوا أعداء البراهمة الآريين الذين أدخلوا الهندوسية.
بمرور الوقت، استولى الآريون على هذه الأرض، لكنهم حافظوا على مسافة من عامة البنغاليين الذين اعتبروا من الطبقات الدنيا "المنبوذة" في نظام الطبقات الهندوسي. في القرن التاسع الميلادي، انتشرت البوذية في البنغال. حكم سلالة سينا (Sena) في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وأقاموا نظاماً هندوسياً متعصباً واضطهدوا البوذيين. في هذا الوقت، جاء العديد من الأولياء المسلمين، فاعتنق العديد من البنغاليين الإسلام على أيديهم.
في 1204 م، أسس اختيار الدين محمد بختيار أول دولة إسلامية مستقلة في البنغال. على مر القرون، حكم البنغال سلاطين مسلمون مستقلون. رفض الشعب غير الآري "Gangaridae" الديانة الآرية واعتنقوا الإسلام بأعداد كبيرة، وعاشوا في وئام مع أتباع الديانات الأخرى.
في 23 يونيو 1757، في معركة بالاشي، غربت شمس استقلال البنغال بسبب المؤامرات الاستعمارية لشركة الهند الشرقية. في 16 أكتوبر 1905، قسم الحكام البريطانيون البنغال لإنشاء ولاية "البنغال الشرقية وآسام" لتوفير فرص اقتصادية وسياسية واجتماعية أفضل لمسلمي شرق البنغال، وجعلوا دكا عاصمتها. قاد القوميون الهندوس المتطرفون حركة عنيفة ضد التقسيم بهتاف "بانديه ماتارام" (Bande Mataram) مما يعني "يا أم، أعبُدُكِ/أُسبِّحُكِ". في 30 أبريل 1908، ألقى خوديرام بوس وبرافولا تشاكي قنبلة على الحاكم اللورد. انتحر تشاكي وأُعدم خوديرام. في 1911، ألغت الحكومة البريطانية التقسيم.
في أعقاب هذا التقسيم والإلغاء، أصبح مسلمو شرق البنغال نشطين سياسياً. وأخيراً، في عام 1947، نلنا الاستقلال من الاستعمار البريطاني. ثم في عام 1971، نال شعب هذه الأرض الحرية من استغلال واضطهاد الحكام الباكستانيين. اكتملت هذه النعمة في عام 1971.
واجباتنا تجاه هذه النعمة متعددة:
شكر الله: الشرط الأول لبقاء النعمة وزيادتها هو شكر الله. قال تعالى: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ" (سورة إبراهيم: 7).
المستوى الأول: الإدراك القلبي بأن كل نعمة هي من الله، لا من قدراتنا الذاتية. قال تعالى: "فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ..." (سورة الزمر: 49).
المستوى الثاني: التعبير بالقلب واللسان عن الشكر. ذكر النعمة والثناء عليها دائماً.
شكر الناس: جزء من شكر الله هو شكر من ساهم في تحقيق هذه النعمة. قال النبي ﷺ: "مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ" (رواه الترمذي وأحمد). وقال: "مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ..." (رواه أبو داود). وقال: "مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ بِهِ..." (رواه أبو داود والترمذي).
يجب علينا أن نذكر وندعو لجميع من ساهم في استقلالنا، بغض النظر عن دينهم أو حزبهم، وأن نعترف بمساهماتهم حقاً. إنكار أو إخفاء أو التقليل من مساهمات أي شخص هو إثم عظيم وجحود لله.
الحفاظ على الحرية: المستوى النهائي لشكر الله هو استخدام نعمته في طاعته. قال تعالى عن الذين مكنوا في الأرض: "الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ..." (سورة الحج: 41).
يجب استخدام نعمة الحرية لخدمة الفرد والمجتمع والدولة بالخير والتنمية. إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر هي أسس المجتمع الصالح. قال الله: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (سورة الرعد: 11). وقال: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ..." (سورة الأعراف: 96).
التقوى هي الابتعاد عن كل ما حرم الله. حذر النبي ﷺ من أن انتشار الفاحشة، الغش في المكيال والميزان، منع الزكاة، نقض العهود، وعدم الحكم بكتاب الله يؤدي إلى الطاعون، المجاعة، جور السلطان، وسيطرة الأعداء (رواه ابن ماجه والحاكم).
قال الله تعالى في منبهنا: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" (سورة النحل: 112).
علينا أن نشكر الله على نعمة الحرية بالقلب واللسان والعمل، بإقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل. اللهم وفقنا لذلك. آمين.
البروفيسور الدكتور خوندكار عبد الله جهانكير (رحمه الله)